mercredi 27 août 2025

الآن...

 نصٌ بقلم : د. عبد الرحيم جاموس

الآنَ،
أضمُّكَ إلى صدري،
أستنشقُ عبيرَكَ،
كما يُستنشقُ نسيمُ الحياةِ...

أذوبُ في ترابِكَ،
فتغدو أنفاسي مطرًا
يوقظُ الحقولَ،
ويعيدُ إلى الزيتونِ ...
 حكاياتِ الجدودِ...

أسمعُ دقاتَكَ،
كأنّكَ قلبٌ ثانٍ،
يزرعُ صبرًا،
ويغمرني يقينًا: 
الأوطانُ لا تُباعُ...

أيتها الأرضُ،
يا مئذنةً تُطلُّ من غيمةٍ،
يا كنيسةً تقرعُ ...
 جرسَها في قلبي،
يا وجعًا يتفتّحُ وردًا،
يا وردًا يفيضُ وجعًا،
كيفَ لا أكونُكَ، 
وأنتَ أنا...؟
***
الآنَ،
أحرسُكَ بدموعي،
أرسمكَ في دفاترِ طفولتي،
أكتبُ على جبينكَ:
لن أترككَ، 
لن أنساكَ،
لن أكون إلّا فيكَ...
***
أجولُ بين حاراتِكَ،
حيثُ الرصيفُ ...
يتلوى بين البيوتِ،
حيثُ الروائحُ تصعدُ ...
 من الأبوابِ القديمة ،
أقطفُ من أشجارِكَ ...
 ثمارَ الذكرياتِ،
وأزرعُ في عيني ...
 ما لم تزرعه أيُّ عيونٍ...
***
أرى البحرَ،
يتلاعب بالشطآن ...
كما يتلاعب الحبُّ بالقلبِ،
يحملني إلى صغري،
إلى لحظةٍ كنا نركض بين الزهورِ،
نستعير الشمسَ لنُضيءَ عيونَنا...
***
أمتدُّ بين حجارتكَ القديمة،
أشمُّ طينَكَ وعرقَ العابرين،
أجد في كلِّ ركنٍ حكايةً،
وفي كلِّ ظلٍّ ...
حنينًا لا ينقطع...
***
أستكينُ إلى الأرض ...
 كما تستكين الغيمةُ،
أحلمُ بمكانٍ ...
لا يُشبهه أيُّ مكانٍ،
أعود كما أريدُ،
أبني كما أشتهي،
أتركُ كلَّ شبرٍ يروي قصصنا،
ويحفظنا من النسيان...
***
ستبقى الأرض حيّةً،
عصيّةً على الطمسِ،
لا تنحني للريح، 
لا تغرقُ في الظلالِ.
المكانُ الذي نحبُّه سيظلُّ لنا،
الشوقُ باقٍ،
 الحنينُ باقٍ،
نصوغُ الحياة كما نشتهي،
نعيدُ البناء كما نريدُ ...
ستبقى هذه الأرض :
 عصيّةً على الضياعِ،
أصغرُ ذرّةٍ فيها تحملُنا،
تحملُ أحلامَنا،
تحملُنا إلى ما سنكونُ...!
***
د. عبدالرحيم جاموس  
الرياض/ الأربعاء 
27/8/2025 م